محمد أبو زهرة
1832
زهرة التفاسير
والتأسي به في كثير من الأحاديث وآيات القرآن الكريم . وقال صلى الله عليه وسلم : « صلوا كما رأيتموني أصلى » « 1 » ، وإن كثيرا من المطالب التكليفية يكون الخطاب فيها للنبي صلى الله عليه وسلم ، ثم لأمته ، وإن الصحابة جميعا فهموا عموم الرخصة في صلاة الخوف ، فعدوها إلى كل إمام في الجيش ، وهو أعلم بمقاصد الإسلام ؛ لأنهم تلقوا علمهم عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وأن الإمام القائم بالجهاد هو خليفة النبي صلى الله عليه وسلم على أمته ، ولأن المعنى في صلاة الخوف لا يتحقق فقط مع النبي صلى الله عليه وسلم ، بل يتحقق مع كل أمير جهاد ، ولأن صلاة الخوف هي من نوع الحذر ، والجمع بين المضي في القتال ، والمضي في الصلاة التي هي عماد الدين ، والحذر مطلوب دائما ، وقد بين الله سببها فقال : وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ . هذا ، ولا بد من التنبيه لأمرين : أحدهما - صلاة المغرب ، فقد كانت الصلاة التي تكلم فيها الفقهاء هي الصلاة الثنائية بالأصالة ، وهي الفجر ، أو الثنائية بالقصر ، وهي صلاة الظهر والعصر ، والعشاء . وأما المغرب فقد روى عن النبي فيها روايتان : إحداهما أنه صلى بالطائفة الأولى ثلاثا ، وبالثانية مثلها ، وبهذه الرواية أخذ الحسن البصري . والرواية الثانية أنه صلى بالطائفة الأولى ركعتين ، وبالثانية واحدة ، وهذا قول أبي حنيفة ومالك . وروى أن الشافعي قال : يصلى بالأولى واحدة ، وبالثانية اثنتين . الأمر الثاني - أنه لا يلزم الاتجاه إلى القبلة إذا خيف أن يأخذ العدو المؤمنين على غرة ، وذلك في حال الالتحام الشديد ، وإذا خيف فوات الوقت يصلى متى أمكن له أن يصلى ، وبذلك قال مالك ، والثوري ، والأوزاعي ، والشافعي ، وقال غيرهم : يصلون بالإيماء ، ولا يتركون الوقت . والسبب في شرعية صلاة الخوف هو الحذر ، والخوف من المباغتة ، ولذا كرر الله الأمر بأخذ الأسلحة والحذر ، وبين ما يوده الكفار فقال : وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً واحِدَةً .
--> ( 1 ) جزء من حديث سبق تخريجه من رواية البخاري وغيره عن مالك بن الحويرث .